محمد حسين علي الصغير
20
تاريخ القرآن
ولقد تعجل بعض النقاد من المستشرقين ، حين ألموا بهذه الدلائل النفسية ، والإمارات الشكلية الخارجية التي لا تنتاب الوعي إطلاقا ، ولا تؤثر على الإدراك في حال ، فاعتبروها - مخطئين - أعراضا للتشنج تارة ، وللإغماء تارة أخرى . « وهذا الرأي يشمل خطأ مزدوجا حين يتخذ من هذه الأغراض الخارجية مقياسا يحكم به على الظاهرة القرآنية بمجموعها ، ولكن من الضروري أن نأخذ في اعتبارنا قبل كل شيء الواقع النفسي المصاحب ، الذي لا يمكن أن يفسر أي تعليل مرضي . . . فإذا نظرنا إلى حالة النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم وجدنا أن الوجه وحده هو الذي يحتقن ؛ بينما يتمتع الرجل بحالة عادية ، وبحريّة عقلية ملحوظة من الوجهة النفسية ، بحيث يستخدم ذاكرته استخداما كاملا خلال الأزمة نفسها ، على حين يمحى وعي المتشنج وذاكرته خلال الأزمة ، فالحالة - إذن - ليست حالة تشنّج . هذا التلازم الملحوظ بين ظاهرة نفسية في أساسها ، وحالة معينة ، هو الطابع الخارجي المميّز للوحي » « 1 » . وهكذا كان لظاهرة الوحي عند بعض المستشرقين تفسيرات خاطئة ، أملاها حقد ودجل وافتراء ، فقد كان الوحي على حد زعمهم أثرا لنوبات الصرع التي تعتري الرسول الأعظم صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم فكان يغيب عن صوابه ، ويسيل منه العرق ، وتعتري التشنجات ، وتخرج من فيه الرغوة ، فإذا أفاق من نوبته ذكر أنه أوحي إليه ، وتلا على المؤمنين به ما يزعم أنه وحي من ربه « 2 » . ومع ما في هذا الزعم من الكذب المضحك ، والغض المعتمد من منزلة النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم الرسالية ، فالطريف أن ينبري له المستشرقون أنفسهم ، لا سيما هنري لامنس ، وفون هامر ، وأمثالهما ، للرد عليه ، إلا أن في طليعة هؤلاء جميعا السير وليم موير ( 1819 م / 1905 م ) « 3 » . لقد فند هذا الباحث المحايد في كتابه ( حياة محمد ) مزاعم الجهلة الحاقدين ، وعقب على ظاهرة الوحي وأعراضها الخارجية بقوله : « وتصوير
--> ( 1 ) مالك بن نبي ، الظاهرة القرآنية : 182 . ( 2 ) ظ : بكري أمين ، التعبير الفني في القرآن : 18 . ( 3 ) ( 29 - 14 ) . SirWilliamMuir , LifeofMohammad , P